عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
214
اللباب في علوم الكتاب
قرنوا به الاستبعاد العظيم ، فقالوا : « هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ » ثم أكدوا « 1 » ذلك بقولهم : « إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا » ولم يريدوا بقولهم : « نَمُوتُ وَنَحْيا » الشخص الواحد ، بل أرادوا أن البعض يموت والبعض يحيا ، وأنه لا إعادة ولا حشر فلذلك قالوا : « وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ » ثم بنوا على هذا فطعنوا في نبوّته وقالوا لما أتى في دينه بهذا الباطل فقد « افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً وَما نَحْنُ لَهُ بِمُؤْمِنِينَ » . واعلم أنّ اللّه - تعالى - ما أجاب عن هاتين الشبهتين لظهور فسادهما أمّا الأولى : فتقدم الجواب عنها « 2 » . وأمّا إنكارهم الحشر والنشر فجوابه ، أنّه لمّا كان قادرا على كل الممكنات عالما بكل المعلومات وجب أن يكون قادرا « 3 » على الحشر والنشر ، وأيضا : فلولا الإعادة لكان تسليط القويّ على الضعيف في الدنيا ظلما ، وهو غير لائق بالحكيم على ما تقرر في قوله تعالى : « إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكادُ أُخْفِيها لِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما تَسْعى « 4 » » « 5 » . واعلم أنّ الرسول لمّا يئس « 6 » من قبول دعوته فزع إلى ربّه وقال : « رَبِّ انْصُرْنِي بِما كَذَّبُونِ » وقد تقدّم تفسيره . فأجاب اللّه سؤاله وقال : « عَمَّا قَلِيلٍ لَيُصْبِحُنَّ نادِمِينَ » « 7 » . قوله : « عَمَّا قَلِيلٍ » في ( ما ) هذه وجهان : أحدهما : أنّها مزيدة بين الجار والمجرور « 8 » للتوكيد « 9 » كما زيدت الباء نحو : « فَبِما رَحْمَةٍ » « 10 » ، وفي من « 11 » نحو « مما خطاياهم » « 12 » . و « قليل » صفة لزمن محذوف ، أي : عن زمن قليل « 13 » . والثاني : أنّها غير زائدة ، بل هي نكرة بمعنى شيء أو زمن ، و « قليل » صفتها « 14 » ، أو بدل منها « 15 » « 16 » ، وهذا الجار فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنّه متعلق بقوله : « ليصبحنّ » ، أي : ليصبحن عن زمن قليل نادمين « 17 » .
--> ( 1 ) في ب : ثم أكد . ( 2 ) تقدم قريبا . ( 3 ) في الأصل : قادا . وهو تحريف . ( 4 ) [ طه : 15 ] . ( 5 ) آخر ما نقله هنا عن الفخر الرازي 23 / 98 - 99 . ( 6 ) في ب : أليس . وهو تحريف . ( 7 ) انظر الفخر الرازي 23 / 99 . ( 8 ) البيان 2 / 185 ، التبيان 2 / 955 . ( 9 ) في الأصل : بالتوكيد . ( 10 ) من قوله تعالى : فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ [ آل عمران : 159 ] . ( 11 ) انظر شرح الكافية الشافية 2 / 816 شرح التصريح 2 / 20 ، الهمع 2 / 37 - 38 ، شرح الأشموني 2 / 230 . ( 12 ) من قوله تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً فَلَمْ يَجِدُوا لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْصاراً [ نوح : 25 ] . و « خطاياهم » قراءة أبي عمرو ، وقراءة الباقين « خطيئاتهم » انظر السبعة ( 653 ) ، الكشف 2 / 237 . ( 13 ) انظر البحر المحيط 6 / 305 . ( 14 ) في الأصل : صفتهما . ( 15 ) في ب : منهما . ( 16 ) انظر التبيان 2 / 955 . ( 17 ) انظر التبيان 2 / 955 ، البحر المحيط 6 / 406 .